أبي منصور الماتريدي
39
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعن عبد الله بن عمر ، رضى الله تعالى عنهما ، عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من مات من طعام أو شراب وهو يقدر فله النار » وبالله المعونة . وقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ . قال قائلون : يطيقون الفداء . وذلك في الأمر الأول في المسافر والمريض أن له أن يقضى في أيام أخر ، وأن يفدى . وفيه : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، أي : أن تقضوا الصيام - والله أعلم - إذ قد يحتمل أيضا أن كانت الرخصة من قبل فيمن عليه بالخيار بين أن يصوم وبين أن يفدى ، والصوم خير على ما ذكر في الآية ، ثم نسخ ذلك ، إن كان على التأويل الأول بقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . . . الآية ، أنه ألزم القضاء على كل حال ، وان كان الثاني فقوله : فَلْيَصُمْهُ ، أنه ألزم الفعل على حال ، وبمثل ذلك خبر معاذ في إحالة الصيام « 1 » : أنه كان للمرء خيار بين الفطر والفداء وبين الصيام ، ثم نسخ . في قوله : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ على أثر ذكر السفر والمرض دلالة جعل الصيام في السفر « 2 » خيرا من الفطر والفداء في غيره ، وإن احتمل الذي ذكرت . والله أعلم .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذهب الأئمة الأربعة ، وجماهير الصحابة والتابعين إلى أن الصوم في السفر جائز صحيح منعقد ، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه . وروى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أنه غير صحيح ، ويجب القضاء على المسافر إن صام في سفر . وروى القول بكراهته . والجمهور من الصحابة والسلف ، والأئمة الأربعة ، الذين ذهبوا إلى صحة الصوم في السفر ، اختلفوا بعد ذلك في أيهما أفضل : الصوم أم الفطر ، أو هما متساويان ؟ فمذهب الحنفية والمالكية والشافعية ، وهو وجه عند الحنابلة : أن الصوم أفضل ، إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه ، وصرح الحنفية والشافعية بأنه مندوب . قال الغزالي : والصوم أحب من الفطر في السفر ؛ لتبرئة الذمة ، إلا إذا كان يتضرر به . وقيد القليوبى الضرر بضرر لا يوجب الفطر . واستدلوا لذلك بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ إلى قوله : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ؛ فقد دلت الآيات على أن الصوم عزيمة والإفطار رخصة ، ولا شك في أن العزيمة أفضل ، كما تقرر في الأصول ، قال ابن رشد : ما كان رخصة ، فالأفضل ترك الرخصة . وبحديث أبى الدرداء المتقدم قال : « خرجنا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في شهر رمضان ، في حر شديد . . . ما فينا صائم إلا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعبد الله بن رواحة » . وقيد الحدادي - صاحب الجوهرة من الحنفية - أفضلية الصوم - أيضا - بما إذا لم تكن عامة رفقته مفطرين ، ولا مشتركين في النفقة ، فإن كانوا كذلك ، فالأفضل فطره موافقة للجماعة . ومذهب الحنابلة : أن الفطر في السفر أفضل ، بل قال الخرقي : والمسافر يستحب له الفطر ، قال المرداوى : وهذا هو المذهب . وفي ( الإقناع ) : والمسافر سفر قصر يسن له الفطر ، ويكره صومه ولو لم يجد مشقة ، وعليه الأصحاب ، ونص عليه ، سواء وجد مشقة أو لا ، وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وسعيد والشعبي والأوزاعي . واستدل هؤلاء بحديث جابر - رضى الله تعالى عنه - : « ليس من البر الصوم في السفر » ، وزاد في رواية : « عليكم برخصة الله التي رخص لكم -